ابن الجوزي
197
صيد الخاطر
قد كان بصبر ساعة فيا له عزا وفخرا ، يقاوم كل لحظة من ذكره أمثال ساعة الصبر عن المحبوب ، وبالعكس منه حالة آدم في موافقته هواه ، لقد عادت « 1 » نقيصة في حقه أبدا لولا التدارك فناب عليه . فتلمحوا رحمكم اللّه عاقبة الصبر ونهاية الهوى ، فالعاقل من ميز بين الأمرين : الحلوين والمرين ، فان من عدل ميزانه ولم تمل به كفة الهوى رأى كل الأرباح في الصبر ، وكل الخسران في موافقة النفس ، وكفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهى واللّه الموفق . 155 - وجوب مزج الفقه والحديث بالرقائق وسير الصالحين رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب ، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين ، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الأحاديث ، وأخبار السلف الصالحين . لأنهم تناولوا مقصود النقل ، وخرجوا عن صور الافعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها . وما أخبرتك بهذا الا بعد معالجة وذوق . لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي « 2 » وتكثير الاجزاء . وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغلب به الخصم . وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء ؟ وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه ، لا لاقتباس علمه . وذلك ان ثمرة علمه هديه وسمته . فافهم هذا وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا ليكون سببا لرقة قلبك . وقد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتابا فيه أخباره وآدابه . فجمعت كتابا في أخبار الحسن « 3 » ، وكتابا في أخبار سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، وبشر الحافي ، وأحمد بن حنبل ، ومعروف « 4 » ، وغيرهم من العلماء والزهاد .
--> ( 1 ) يريد : « لقد كادت تكون » وما كانت ، وآدم نبي ، وهو أبو الأنبياء ، وهم أكمل البشر . ( 2 ) أي عالي السند . ( 3 ) أي البصري . ( 4 ) أي الكرخي .